فقدت الساحة الدولية في مجال الفنون الشعبية أحد روادها الكبار، العروبي الطيب والشاعر الباحث في التراث الشعبي الأستاذ/ علي عبد الله خليفة، الذي عمل منذ ستينيات القرن العشرين في مجال الفنون الشعبية من خلال البحث والجمع الميداني والتوثيق. بدأ تجربته من مملكة البحرين، ثم انتقل بتجربته ليكون جزءًا من تجربة توثيق التراث الخليجي وصونه، وهو ما جعله ملمًا بالكثير من تفاصيل العمل الدولي مع المؤسسات المعنية بالأمر، ليتصدر العمل المؤسسي الدولي من خلال المنظمة الدولية للفن الشعبي.
الأستاذ علي عبد الله خليفة من مواليد مدينة المحرق عام 1944 بمملكة البحرين، درس في كتاب البحرين عام 1951 وحصل على الثانوية العامة عام 1962.
التحق دليلًا للبروفيسور الدانماركي (بول روفسنج أولسن) خلال جولته الميدانية لجمع الموسيقى الشعبية في البحرين عام 1963. وبعدها بثلاث سنوات، رافق الباحث السويسري (سايمون جارجي) في رحلاته لجمع نصوص الأغاني الشعبية البحرينية. ومن هناك بدأت علاقته المبكرة مع التوثيق الميداني للفنون الشعبية. منح الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعة سيكلونا الأمريكية عام 1989.
مشروعاته الثقافية في مملكة البحرين
أسس الأستاذ/ علي عبد الله خليفة في البحرين دار الغد للنشر والتوزيع 1974، ومجلة (كتابات) الأدبية الفصلية، كما ترأس تحريرها (1985-1976)، ومجلة (المأثورات الشعبية)، ورأس تحريرها (1988-1985)، كما أشرف على تأسيس (مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية).
تجربة مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية
تم توحيد الجهود الخليجية لجمع وتدوين التراث الشعبي عام 1982 من خلال تأسيس (مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية)، حيث تولى إدارته لخمس سنوات (1982-1987). ومن خلال هذا المشروع حاول بناء أرشيف خليجي مشترك للذاكرة الشعبية الخليجية، وقد سمعت الكثير عن تحلل هذا الكيان الهام، والذي ترك في تفكيكه رموزًا تؤلم كل من يتذكره، حتى إنني شهدت دموع الرجل على هذا المركز عام 2009 أثناء انعقاد مؤتمر الفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للثقافة، ولم أعرف حتى الآن كيف انتهى هذا المشروع بما تم جمعه من موروث خليجي، لكنه كان الدافع لتركيز الجهود خلف كيان دولي أكبر، وتأتي تجربة الرجل مع المنظمة الدولية للفن الشعبي..
دعم ورئاسة المنظمة الدولية للفن الشعبي
كان للأستاذ/ علي عبد الله خليفة دور في دعم أهم المنظمات الدولية المعنية بالفنون الشعبية، والتي تأسست بالنمسا عام 1979، وكانت البحرين أول بلد عربي تختاره منظمة الفن الشعبي لتجتمع به عام 2008، حيث اجتمع بها المؤتمر الرئاسي للمنظمة الدولية للفن الشعبي التابعة لليونسكو، وخلال 30 عامًا أسهمت المملكة في تعزيز التفاهم والتسامح بين مختلف شعوب العالم، وكانت الشاعرة البحرينية هنادي الجودر رفيقة تجربة البحرين وشاهدًا على تجربة الشاعر الكبير.
عين نائبًا بالمنظمة الدولية للفن الشعبي في براغ بدولة التشيك عام 2012، ثم تولى رئاسة المنظمة الدولية في عام 2018، كما فاز بفترة رئاسية ثانية بالتزكية في مارس 2023، والتي انتهت عام 2026، وكان اختياره بمشاركة أكثر من120 عضوًا، وفدوا من 43 دولة. وكنت ضمن الحضور والمؤيدين له،لتكون مملكة البحرين على رأس هذه المنظمة، ومقرًا رئيسيًا لقيادتها وقيادة 165 بلدًا من مختلف قارات العالم.
تقدم الأستاذ علي خليفة باستقالته في يناير 2026 بعد تدهور صحته وإبلاغه أنه على وشك الوفاة. فالرجل ترك لنا فجأة فراغًا عربيًا ودوليًا، وحزنًا عميقًا بكينا جميعًا في اجتماع مجلس إدارة المنظمة لتنصيب البديل لرئاسة المنظمة، فكلنا أصدقاؤه..
مجلة الثقافة الشعبية
أسس علي خليفة مجلة الثقافة الشعبية التي تصدر عن المنظمة الدولية للفن الشعبي من مقر رئيس المنظمة بمملكة البحرين، وكانت مترجمة بست لغات، صدر منها 67 عددًا، وكانت بوابة الثقافات العربية والأفريقية إلى العالم، وهي مجلة علمية محكمة متخصصة في الفنون الشعبية توزع في العالم كله.
سفير العرب للفن الشعبي
دخلت مملكة البحرين في المشهد الفلكلوري العالمي بسبب الأستاذ/ علي عبد الله خليفة من خلال مشاريع دولية كبيرة أهمها مجلة الثقافة الشعبية، ودعم المنظمة الدولية للفن الشعبي.
وهنا نتحدث عن إسهام ودعم مملكة البحرين لحركة الفنون الشعبية العالمية، بالتعاون مع خبراء المنطقة الكبار من مصر ودول المغرب العربي، والعراق وسوريا ولبنان ودول الخليج، تحت إدارة حكيمة وثقة للأستاذ علي خليفة.
فقد كانت تجربة الدعم البحريني واحتواءها لمجلة الثقافة الشعبية وإقامة مقر لرئيس المنظمة الدولية للفن الشعبي لسنوات، ما جعل المنطقة العربية، وتحديدًا البحرين، مقرًا للحركة الفلكلورية العالمية.
ورغم خروج تجربة الإمارات العربية من خلال معهد الشارقة في توازن بعدها بعشر سنوات تقريبًا، ولحقتها التجربة السعودية في الرياض من خلال الجنادرية ثم إدارة التراث، إلا أن تظل تجربة مملكة البحرين والتي بدأت بانعقاد اجتماع 2008 هي الأساس.
وفي عام 2012 أقامت مملكة البحرين الندوة الدولية عن الفنون الشعبية والهوية الكونية، وكنت ضمن الحضور فيها، وشاهدة على تفاصيلها الهامة، حيث التقى خبراء العالم من كل الجنسيات ومن كل مجالات الفنون الشعبية سواء باحثين وعلماء أو مؤدين في المنامة ليصدر إعلان المنامة العالمي، والذي دعمت رعايته ملكية عربية للمنظمة، وأصر حينها الأستاذ/ علي عبد الله خليفة أن يتلوه الدكتور أحمد مرسي عرفانًا بدور مصر التاريخي، ومن خلال هذا البيان تم تقديم كل الدعم لأي عمل يعزز الثقافة الشعبية بين دول العالم، ويقدم الثقافة الشعبية العربية في أبهى صورها للثقافات الإنسانية..
ومنذ تعرفي على الشاعر علي خليفة عام 2007 بحضور الرواد الدكتور أحمد مرسي، والأستاذ صفوت كمال وأستاذي الدكتور أسعد نديم في القاهرة، وحتى وفاته في 2026، ظهر متواضعًا للغاية، دمث الخلق ومهذبًا في ردوده، ويلفت النظر في حواره الهادئ، محبًا للقاهرة ولخبرائنا في كافة مجالات الفنون الشعبية، يعمل في صمت داعمًا ومتواصلًا مع الجميع. وفي آخر مكالمة معه قبل وفاته بأيام كان مثمنًا لكل مجهودات فريقه المخلص وممتنًا للجميع.
الشاعر البحريني الذي حمل ذاكرة ناسه
وعن علي عبد الله خليفة المبدع فقد كان شاعرًا كبيرًا، وهو من أشهر شعراء البحرين على الساحة الثقافية البحرينية والخليجية، كتب الشعر ليصبح جزءًا من التاريخ الثقافي للخليج العربي .
له دراسات من أهم مراجع الثقافة الشعبية الخليجية، من بينها «استلهام التراث الشعبي في الأعمال الإبداعية» و«فنون الموال»، و«خليج الأغاني»، و«أشكال ومضامين النصوص الشعرية في فن الفجري.».
جوائز وتكريمات
منحت مملكة البحرين علي عبد الله خليفة وسام الكفاءة من الدرجة الأولى (2002)، ومنحته رومانيا الجائزة العالمية الكبرى في الفنون (2006)، ومنحته الصين جائزة التواصل الثقافي العالمية (2018) من المجلس الأعلى للثقافة في جمهورية الصين، وتمنحها جمهورية الصين للشخصيات العالمية الداعمة لنجاح جهودها في التواصل مع ثقافات العالم..
بقلم
أ.د. إيمان مهران
أستاذ بأكاديمية الفنون بالقاهرة
المدير التنفيذي لشمال وجنوب شرق إفريقيا بالمنظمة الدولية للفن الشعبي